Tags:


مهما كانت طبيعة العمل الذي تمارسه، أو نوع الشركة التي تعمل بها… وفي أي بلد حول العالم … أنت على تواصل دائم مع عملائك وزبائنك الذين هم رأس مال الشركة الحقيقي.
فلو كان عملك خدميا أو سلعيا… سواء في خدمات الطيران والسياحة أو في بيع السيارات والمعدات والأجهزة الملموسة… لابد من وجود عميل أو زبون لإستمرار عملك والبقاء في الأسواق.
ويحاول أخصائيو التسويق تأطير خدمة هذا العميل بنوع من المهنية من خلال طريقة أداء الشركة وآلية التخاطب وأخيرا وبالطبع نوع وطبيعة الملابس التي يرتديها مقدمو الخدمة أو موظفو الشركة.
ومن هنا جاءت أهمية وجود زي يعبر عن المهنة التي تعمل بها، فمضيفات الطيران يرتدين زيّا موحدا يعبر عن رقي هذه الخدمة وعنايتها بالركاب. والطبيب والممرض وأخصائيو التحاليل الطبية نجدهم يعبرون عن حرفيتهم من خلال اللون الأبيض لمزيد من الشفافية والنظافة معا. كما تجبر شركات الأعمال موظفيها على ارتداء البدلة وربطة العنق للتعبير عن الاحترافية والمهنية والإلتزام أمام العميل.
كل هذا يقودنا إلى أن مقدم الخدمة لابد له من مراعاة الزي الرسمي أو المتعارف عليه حسب طبيعة عمله أو شركته. إلا أن السؤال هنا:
ماذا يا ترى على العميل أن يرتدي؟!
وهل الزبون له زي موحد ؟!
هل سبق وأن سمعنا أن على رواد الفندق أن يرتدوا البدلة وربطة العنق مثلا ، أو أن على المسافرين عبر البحار أن يرتدوا الجينز؟!
أعتقد أن تحديد لباس محدد للعملاء أمر في غاية الغرابة، والصعوبة!!!
دعونا نلاحظ معا هذا المشهد الحقيقي والذي يرويه لي الدكتور/ عامر سلامة-أخصائي العدسات اللاصقة و Low Vision.
في أحد معارض البصريات والذي يتم فيه فحص النظر، وعرض العدسات وإطارات النظارات للتجهيز والبيع، وفي يوم طويل كاد يخلو من الزبائن، قام الدكتورالمشرف على المعرض بالتجهيز لإغلاق المعرض كعادته في العاشرة مساء، مع خيبة أمل صاحبته طيله هذا اليوم من قلت الرواد والزبائن.
ومن بعيد يأتي أحدهم مشرعا، فيباشر مشرف المحل بفتح الباب له وكأنه يدخله على فندق 5 نجوم، ويقدم له كامل الإحتفاء والتأهيل وكأن دكتورنا في بداية يومه ونشاطه.
يستغرب مساعد الدكتور، فالرجل القادم لا يبدو عليه ملامح الزبون، كما لباسه جدا متواضع، والأكثر من ذلك أن لباسه قذر نوعا ما، وكأنه خارج من مزرعة دجاج يكسوه بل ويتساقط منه الريش الأبيض مع رائحة تنتشر في كل مكان أسرع من تساقط هذا الريش الأبيض.
حافظ الدكتور على ترحابه لهذا الرجل، وحين سأل الرجل: أريد نظارة جيدة.
بادر الدكتور بتقديم نظارة بسيطة وجيدة تناسب هذا الرجل المتواضع.
الدكتور: تفضل هذه نظارة عملية وجيدة وقد تناسبك.
الرجل: بكم هذه النظارة؟
فجيب الدكتور: إنها بعشرة دنانير.
فتبدو ملامح عدم الرضا أو الاكتراث للنظارة!!
ويجلس هذا الرجل على كرسي الضيافة بلباسه المزين ببقايا الدجاج الطبيعي، ثم يوجه نظرة إلى نظارات أخرى، ويسأل: بكم هذه؟
فيجيب الدكتور إنها أكثر جودة فهي بخمسة عشر دينارا.
إلا أن هذا الرجل، مازال في تردده.
فيستغرب مساعد الدكتور أكثر، ويقول في نفسه: حتى نهاية هذا اليوم مزعجة مع رجل كأنه جاء للمكان الخطأ ويريد أن يتسلى أو يرتاح في المحل!
وبعد عدة عروض لا تعجب هذا الرجل، يبادر بالسؤال: ما هي أغلى وأثمن نظارة عندك؟
يستغرب الدكتور من هذا الرجل وطلبه، ثم يذهب إلى درج خاص ليس في متناول الجمهور ويخرج له النظارة الأفخم والأجود ويقول له لكنها جدا غالية وتكلف خمسة أضعاف أي نظارة أخرى.
فيسأل الرجل: بكم؟
فيجيب الدكتور: سعر الإطار وحده خمسون دينارا ومع العدسات والفحص سيكون ثمنها ستون دينارا.
فيرد الرجل بكل بساطة ودون تفاوض: إذن جهزها لي!
يستغرب الدكتور حقا، وكاد يظن أن الرجل يسخر منه أو يحاول التسلية، فمثل هذه النظارات وفي ذلك الوقت لا يرتديها إلا أغنى رجال الأعمال. وهذا الرجل لم يظهر على ملامحه أو بالأحرى على ملابسه أنه زبون، فكيف وهو يطلب نظارة زبونها مختلف جدا. فزبون هذه النظارة يلبس لباسا آخرا، وتفوح منه رائحة مختلفة بالإضافة إلى أنه مفاوض جيد ويسأل عن خصم!
إلا أن هذا الرجل ليس شيئا من هؤلاء!
وبعد تجهيز طلب الرجل، دفع الرجل ما عليه وتوجه للخروج، حاول الدكتور التعرف عليه فقال له: لم نتشرف بمعرفتك من قبل؟
قال الرجل: أنا جاركم في هذا السوق والذي أملك مسالخ ومحلات الدجاج الشهيرة على الناحية الأخرى.
قال الدكتور: نعم نعم، فهي محلات مشهورة وكبيرة ما شاء الله، ولكن إئذن لي بسؤال: ما حاجتك لمثل هذا النوع من النظارات الفخمة.
قال الرجل مبتسما: الحقيقة أنا لا أحتاجها، إلا أنني قبل الدخول إليك زرت معرضين للنظارات حولك، لكنهم لم يكترثوا بي أبدا كما فعلت بفتحك الباب لي وترحيبك بي، بل إنهم تجاهلوني تماما وكأني غير موجود، وكلما قمت بطرح سؤال، أجابوني باستعلاء وكأنهم استقلوا هيئتي وما ألبس، إلا أنني تعودت أن أعمل مع الموظفين بيدي. فعندما جئتك شعرت وكأني عميل وعميل مميز بغض النظر عن لباسي، فطلبت منك نظارة تساوي تقديرك لي.
وهكذا لا نستطيع أن نحدد زيّا للعميل نصنف على أساسه أن هذا العميل عميل من الدرجة الأولى كونه يرتدي لباسا فخما أو أنه لا يرتجى منه خير كونه متواضعا في هيئته!
إن هذه المغالطة كثيرا ما يقع فيها مبتدؤوا العمل في خدمة العملاء أو التعامل مع الجمهور، فيقيم الجمهور بهيئتهم وزيهم، ولا يلتفت أبدا إلى سلوكهم ونفسياتهم والتي هي أدق تقديرا لنوع العميل. ومن هنا عادة ما نوجه الموظفين الجدد في خدمة العملاء إلى عدم الحكم على أي زائر لك، أو أي متصل بك، حتى تنهي اللقاء البيعي أو الترويجي بل وبعد ذلك. فالكثير منهم لا يعطي قراره الشرائي من اللقاء الأول وإنما يؤخره ليرى كيف يقفل هذا الموظف أو مقدم الخدمة اللقاء لو لم يتم الشراء. فترى البعض يستبشر ويبقى في أعلى درجات الرضا والمحبة لهذا العميل، ففي داخله يقول يكفي أن هناك من يزورنا ويسأل عن أعمالنا وهذا بحد ذاته بداية للنجاح. وأما البعض الآخر فمبجرد أن يحاول العميل المغادرة دون شراء، تتغير ملامح وجه مقدم الخدمة إما باليأس لظنه بأنه فشل في إنهاء الصفقة أو بالامتعاض والاستخفاف كونه ضيع وقتا وجهدا مع من لا يستحق!!!
إلا أن التجارب تثبت أن العميل لا يحدّ قراره وقت، ولا يحكم قدرته على الشراء ما يرتدي.