عدت إلى كندا بعد رحلة طويلة في الشرق الأوسط زرت فيها تركيا مرتين. وفي جعبتي مشاعر جديدة للتفوق والاستعلاء، وبالتأكيد أتكلم عن بناء الذات على مستوى الفرد أو حتى مستوى الأمة ككل.
سأختزل تلك المشاعر التي عشتها في تركيا بثلاثة شعائر عايشتها في رحلتي.
ولاحقا سأفكر معكم بصوت عال: لماذا أحببت أن أسميها شعائر!!
الموقف الأول:
في كل صباح وفي وسط المنطقة الأثرية في اسطنبول، حيث تتربع على تلال وجبال المدينة قلاع قديمة طاعنة في التاريخ تسمى المساجد، أسير قليلا على ضفاف البوسفور، ثم أنتقل إلى زقاق المدينة القديمة التي تحيط بالجامع الجديد وجامع السليمانية. ومع كل صباح وأنا أسير في تلك الزقاق وإذا برجل يسير مسرعا إلى عمله في قلب المدينة، وفجأة يتوقف بأرقى سمت هادئ وخشوع مغاير لسرعته التي كان عليها، ليخفض رأسه أمام أحد الصروح القديمة ويرفع يديه ويتلو الفاتحة. أقترب فإذا هي مقبرة قديمة للعهد العثماني. وأما الرجل فعاود المسير مسرعا حتى أني لم أدركه! لم ينتهي الأمر بعد!
الموقف الثاني:
قبيل المغرب، حيث يجتمع العديد من الناس لتناول وجبة العشاء على جوانب جسر جالاتا حيث الأجواء أكثر من ديناميكية وحيوية، والسفن التي تحمل السمك الطازج تتنافس لتقدم ساندويشات السمك، والتي عادة ما تحلو مع كأس من عصير المخلل! الذي يعطي ملوحة طبيعية للوجبة ومذاقا لا ينسى. البعض – مثل زميلي في الرحلة – يتجاوز حدود الاعتياد ويحاول أن يأكل السمك مع كولا أو مشروبات غازية.
أذهب معه إلى مسؤول ثلاجة المشروبات الغازية ويطلب منه: تكرما كولا. يقول البائع مبتسما: تركي كولا؟ لم يفهم زميلي مراد البائع بالضبط، فيوجه يده مشيرا على (كوكا كولا) العالمية الشهيرة! يتجنب البائع إشارة اليد… ويقول: تركي كولا؟ وأخيرا يتنازل زميلي ويأخذ الكولا التركية! لم ينتهي الأمر بعد!
الموقف الثالث:
كان في كل أنحاء ومواقف زيارتي تقريبا. فاللغة الرسمية هي التركية. ولغة الشارع هي التركية. أما اللغة المكتوبة على المحلات فهي أيضا التركية! تذكرت زيارتي لألمانيا، حيث لا يوجد سوى اللغة الألمانية، مع فارق كبير، حيث يحاول الشارع التركي جاهدا أن يخدمك بالتركي، بينما ينتظر الألماني منك أن تغير لغتك مباشرة لتتفاهم معه أو تتعلم الألمانية بخمسة ثواني ليبدأ الحوار! ولكن الأمر فعلا لم ينتهي بعد!
ففي الموقف الأول، تجد أن الرجل الذي يقف احتراما للمقبرة ويقدم شعائر الفاتحة على أرواح السابقين، هو ليس رجل واحد وحسب أو موقف عابر وانتهى، لكنه تصرف كل صباح ومن أكثر من رجل! ويبدو أن سرعة الرجل ودوامة الحياة لم تنسه شعائرا حضارية دينية بل ولدت عنده مشاعر للتفوق والتميز عن الآخرين وهو في قلب اسطنبول التي هي مجمع وقلب أوروبا.
وأما الموقف الثاني، فهو تماما يقدم نموذجا رائدا في قدرة تركيا على دخول الاتحاد الأوربي ولكن بثوبها التركي. إنها لا تستجدي منتجات من الخارج، بل إنها واثقة من أدائها الاقتصادي المنافس. فالرجل عندما باع الكولا التركية شاهدته مع زميله وهو يبتسم ويقول: نعم تركي كولا (أي نجحنا). هذه مشاعر ليست بالبسيطة من رجل بسيط يبيع السمك على الشاطئ، إنها شعائر حقيقة وطقوس يقدمها كل تركي لرفعة وتفوق بلده، ويبدو أنها أقل طقوس وشعائر المواطنة والإنتماء!
وأخيرا وليس آخرا… في الموقف الثالث، كنت أظن أن اللغة الإنجليزية هي الآن لغة التجارة والعلم والتفوق، وحسب! الأمر ليس دقيقا. يبدو أن مجتمعات بالكامل لم تستعير لغة جديدة لتحسن التواصل مع الآخرين! ولم تترك لغتها الوحيدة لتنضم إلى لغة أكثر انتشارا بحجة التعرف على الأدب الغربي، وكأننا لا نمتلك في لغتنا الأدب! اقتصاد تركيا في نمو… وعلاقاتها في انتشار… ولا يخفى على العالم قوتها في العديد من المجالات. فعلا… أستغرب لماذا لا يتكلم رئيسها إلا لغته! يبدو أن هناك شعائر في التعامل مع القومية، تولد مشاعر اعتزاز لدى الشخص بأنه متفوق!
كلما زادت الشعائر التي نمارسها في حياتنا اليومية… كلما زادت المشاعر بالتفرد… ومن ثم التفوق. وكلما كانت تلك الشعائر أقرب إلى الله … كلما ارتقت القلوب بمشاعر أرقى وأقوى… وهي التقوى: رقي وقوة (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)