التاريخ:

من ملاحظة شخصية في بعض اللقاءات والمؤتمرات في الوطن العربي أدون:
كان وجود الشخصيات الأجنبية في أي احتفالية أو تدشين أو مؤتمر في وطننا العربي؛ ينظر له:
– قبل 50 عاما دليلا على الموثوقية والتحالف.
– وقبل 30 عاما دليلا على البرستيج والرقي.
– وقبل 10 أعوام دليلا على الانتشار والعالمية.

ثم الآن بدأ الكثير من الحضور العربي يلاحظ أن وجود الأجنبي الذي يتصدر كلمات المؤتمرات أو الملتقيات أي ما يسمى Keynote speaker هو:
– إما خبير حقيقي لكنه متحفظ في علمه تجاهنا!
– أو أنه تذكار من الماضي وصورة رمزية هرِمة تذكرنا بأنه لا شيءٍ يدوم؛ لا سيما إذا سمعنا خطابه الأقل جودة والأكثر ركاكة!

هذا بالتاكيد لا يعمم المشهد ولا ينفي وجود استثناء باستضافات نوعية صادقة ترغب بالمساهمة الإنسانية أينما وجدت ولديها مخزون من الخبرة والمعرفة منافس لما يملكه خبراء الدولة والوطن العربي.
هذه الظاهرة والنظرة الحالية ما كنا لنراها لولا جهود الدول في الابتعاث الجاد بالإضافة إلى طموح كثير من العائلات التي أرسلت أبناءها قبل خمسين عاما نحو الغرب والشرق ليحضِروا حقيقة التطور الذي شاهدوه؛ ويحاكموا بعضه ويطورا الآخر، ويرفضوا جزءا وينتقدوا آخر.

من نظرة مهنية دعني ألقي نظرة على أهمية دعوة المتحدثين الرئيسيين أو أصحاب الكلمات المفتاحية في المؤتمرات واللقاءات والملتقيات.

فأي مختص يعرف أهمية وجود ما يسمى متحدث الكلمات الرئيسية keynote speaker والذي أحب تسميته صاحب الكلمة المفتاحية؛ ليس فقط لتشابه الكلمة مع الترجمة key ولكن لأن هذا بالفعل ما يعبر عن دور هذا المتحدث الهام في كل مؤتمر.

فالغرض الرئيس من وجود الكلمة المفتاحية هو فتح عقول الحضور لما سيأتي بعد خطابه من أفكار وليس إغلاقها بالملل والتكرار والإسهاب!

والكاريزما الشخصية مع الخبرة الحقيقية المتعلقة بموضوع المؤتمر ومع حدة الخطاب هي التحفيز المطلوب لعقول ومشاعر المستمع للوصول إلى مرحلة الإلهام التي تشجع الحضور على الاستمرار حتى نهاية فقرات المؤتمر وبأعلى درجات الحماسة.


ومن هنا قد نلاحظ بعض المعيقات التي تفقد المتحدث الرئيسي والخطاب المفتاحي دوره وأهميته، منها:

– تقديم خطابات ترحيبية وإدارية طويلة قبل الخطاب المفتاحي الرئيس.
– إعطاء أولويات للبروتوكولات الافتتاحية حتى لو تأخرت عن الجدول الزمني على حساب كل فقرات المؤتمر.
– عدم وجود متحدث رئيسي يمتلك الكاريزما والعلم والخبرة بموضوع المؤتمر.
– تكرار بعض المتحدثين خطاباتهم الرئيسية لعدم اهتمامهم بالتحضير وعدم التزامهم بغاية المؤتمر.

– عدم تمييز الفرق بين المتحدث الرئيسي والمتحدث الضيف حيث الأول له مقومات ملهمة وملتزم بالطاقة الكلية للملتقى بينما المتحدث الضيف يعرض التفاصيل المتخصصة.

وبما أن الإلهام والتحفيز هو الغرض المطلوب من المتحدث الرئيسي في كلمته المفتاحية لأي مؤتمر؛ تظهر إشكالية أن هذا الغرض قد لا يتحقق بلغة أجنبية إلا ما ندر. وذلك لأن الحماسة تقل إذا كان الفهم متوسطا وتنعدم إذا انخفض مستوى اللغة أو الترجمة.

ففي مؤتمر الذكاء الاصطناعي تكلم أحد المهندسين العرب بلغة إنجليزية رائعة وعبّر أكمل تعبير عن موضوعه؛ بل كان برأيي أهم متحدث والأكثر تشويقا في المنصة بل وإفادة.
ولأن المؤتمر كان في بلد عربي وأغلب الحضور من المعلمين غير المتمرسين بالإنجليزية؛ جاء أحد مشرفي المدارس يشكو من هذه الكلمة الإبداعية لأنها لم تكن مفهومه لدى أغلب الحضور!

الخلاصة أن الاستعراض في العتمة مهما كان جميلا لن يرى؛ واللغة الأخرى في غير مكانها هي استعراض في العتمة! إلا إذا كانت ضرورة تصاحبها ترجمة!
ومن وحي الذاكرة، لقد كنت مدعوًا كمتحدث للكلمة المفتاحية في مؤتمر مهني عالمي؛ ومع وجود أكثر من ٢٠ متحدث من شمال أمريكيا وأوروبا وبعض المتحدثين المتخصصين العرب.

تم اختياري كثاني متحدث رئيسي keynote speakers مع خبير محترف وعريق بعراقة شعره الأبيض تماما من طول خبرته. وخلال الحملة الترويجية وصلني من دكتور عربي يعلق عني معترضا أمام العلن في تويتر: ألم يجدوا غير هذا ليستضيفوه؟! ولم يتعرض لأي أجنبي مرافق لنا بالصور.

ليس لي أي علاقة حميمة ولا عداوة ولا معرفة سابقة به إلا أن اسمي وشكلي عربي وعقلي كذلك. المهم بعد نهاية الملتقى تدعوني اللجنة المنظمة بطريقة غير اعتيادية لشكر خاص لأن بحثي المقدم كان البحث الوحيد الذي يمكن الاستفادة منه تطبيقيا!


وأخيرا:

– هل إحضار المتحدث الأجنبي مازال كديكور على منصة المؤتمرات، أم أن هناك جيل محترف أكثر انتباه لغاية وجود هذا المتحدث ؟!